السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
463
مختصر الميزان في تفسير القرآن
قوله تعالى : قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ؛ حواري الإنسان من اختص به من الناس ، وقيل أصله من الحور وهو شدة البياض ؛ ولم يستعمل القرآن هذا اللفظ إلّا في خواص عيسى عليه السّلام من أصحابه . وقولهم : آمَنَّا بِاللَّهِ ، بمنزل التفسير لقولهم : نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ وهذا مما يؤيد كون قوله : أَنْصارِي إلى اللّه جاريا مجرى التضمين كما مر فإنه يفيد معنى السلوك في الطريق إلى اللّه ، والإيمان طريق . وهل هذا أول إيمانهم بعيسى عليه السّلام ؟ ربما استفيد من قوله تعالى : كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ ( الصف / 14 ) ، أنه إيمان بعد إيمان ، ولا ضير فيه كما يظهر بالرجوع إلى ما أوضحناه من كون الإيمان والإسلام ذوي مراتب مختلفة بعضها فوق بعض . بل ربما دل قوله تعالى : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ ( المائدة / 111 ) ، أن إجابتهم إنما كانت بوحي من اللّه تعالى إليهم ، وأنهم كانوا أنبياء فيكون الإيمان الذي أجابوه به هو الإيمان بعد الإيمان . على أن قولهم : وأشهد بأننا مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت وأتبعنا الرسول ، وهذا الإسلام هو التسليم المطلق لجميع ما يريده اللّه تعالى منهم وفيهم - يدل أيضا على ذلك فإن هذا الإسلام لا يتأتى إلّا من خلص المؤمنين لا من كل من شهد بالتوحيد والنوبة مجرد شهادة ، بيان ذلك أنه قد مر في البحث عن مراتب الإيمان والإسلام : أن كل مرتبة من الإيمان تسبقها مرتبة من مراتب الإسلام كما يدل عليه قولهم : آمنا باللّه وأشهد بأنا مسلمون ، حيث أتوا في الإيمان بالفعل وفي الإسلام بالصفة فأول مراتب الإسلام هو التسليم والشهادة على أصل الدين إجمالا ، ويتلوه الإذعان القلبي بهذه الشهادة الصورية في الجملة ، ويتلوه ( وهو المرتبة الثانية من الإسلام ) التسليم القلبي لمعنى الإيمان وينقطع عنده السخط والاعتراض الباطني بالنسبة إلى جميع ما يأمر به اللّه ورسوله وهو الاتباع العملي في الدين ، ويتلوه ( وهو المرتبة الثانية من الإيمان ) خلوص العمل واستقرار وصف العبودية في جميع الأعمال والأفعال ، ويتلوه ( وهو المرتبة الثالثة من الإسلام ) التسليم لمحبة اللّه وإرادته تعالى فلا يحب ولا يريد شيئا إلّا باللّه ، ولا